الغزالي
388
إحياء علوم الدين
القسم الثاني : درجتهم دون درجة هذا ، وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات ، فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم ، وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها ، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة . وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد ، قال الشعبي بعد أن قيل له : هل في المال حق سوى الزكاة ؟ قال : نعم أما سمعت قوله عز وجل * ( وآتَى الْمالَ عَلى حُبِّه ذَوِي الْقُرْبى ) * « 1 » الآية ، واستدلوا بقوله عز وجل : * ( ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * « 2 » وبقوله تعالى : * ( وأَنْفِقُوا من ما رَزَقْناكُمْ ) * « 3 » وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم ، ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية ، إذ لا يجوز تضييع مسلم ، ولكن يحتمل أن يقال ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة قرضا ، ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه . ويحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض ، وهذا مختلف فيه والاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب ، فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه ، وهي أقل الرتب . وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة ، قال الله تعالى : * ( إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ) * « 4 » يحفكم أي يستقص عليكم ، فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة ، وبين عبد لا يستقصى عليه لبخله : فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال المعنى الثاني : التطهير من صفة البخل ، فإنه من المهلكات قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « ثلاث مهلكات شحّ مطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه » وقال تعالى : * ( ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * « 5 » وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا ،
--> « 1 » البقرة : 177 « 2 » الأنفال : 3 « 3 » المنافقون : 10 « 4 » محمد : 37 « 5 » التغابن : 16